الشيخ سيد سابق
480
فقه السنة
دليل على يقظة الضمير والعزم على استئناف حياة نظيفة بعيدة عن الافساد والمحاربة لله ولرسوله ، ولهذا شملهم عفو الله وأسقط عنهم كل حق من حقوقه إن كانوا قد ارتكبوا ما يستوجب العقوبة ، أما حقوق العباد فإنها لا تسقط عنهم ، وتكون العقوبة حينئذ ليست من قبيل الحرابة ، وإنما تكون من باب القصاص . والامر في ذلك يرجع إلى المجني عليهم لا إلى الحاكم ، فإن كانوا قد قتلوا سقط عنهم تحتم القتل ، ولولي الدم العفو أو القصاص ، وإن كانوا قد قتلوا وأخذوا المال ، سقط الصلب وتحتم القتل وبقي القصاص وضمان المال . وإن كانوا قد أخذوا المال سقط القطع وأخذت الأموال منهم إن كانت بأيديهم ، وضمنوا قيمة ما استهلكوا ، لان ذلك غصب . فلا يجوز ملكه لهم ، ويصرف إلى أربابه أو يجعله الحاكم عنده حتى يعلم صاحبه لان توبتهم لا تصح إلا إذا أعادوا الأموال المسلوبة إلى أربابها . فإذا أرى أولو الامر إسقاط حق مالي عن المفسدين من أجل المصلحة العامة ، وجب أن يضمنوه من بيت المال . ولقد لخص ابن رشد في بداية المجتهد أقوال العلماء في هذه المسألة فقال : " وأما ما تسقطه عنه التوبة فاختلفوا في ذلك على أربعة أقوال : 1 - أحدها أن التوبة إنما تسقط حد الحرابة فقط ، ويؤخذ ، بما سوى ذلك من حقوق الله وحقوق الآدميين " وهو قول مالك . 2 - والقول الثاني أنها تسقط عنه حد الحرابة وجميع حقوق الله من الزنا ، والشراب ، والقطع في السرقة ، ولا تسقط حقوق الناس من الأموال ، والدماء إلا أن يعفو أولياء المقتول ( 1 ) . 3 - والقول الثالث : أن التوبة ترفع جميع حقوق الله ، ويؤخذ في الدماء وفي الأموال بما وجد بعينه . 4 - والقول الرابع : أن التوبة تسقط جميع حقوق الآدميين من مال ، ودم ، إلا ما كان من الأموال قائما بعينه . شروط التوبة : للتوبة ظاهر وباطن ، ونظر الفقه إلى الظاهر دون الباطن الذي لا يعلمه
--> ( 1 ) هذا هو أعدل الأقوال الذي اخترناه ونبهنا عليه من قبل .